لا أرى موهبةً تم الإعتناء بها وتنميتها في عقول ونفوس الأجيال المتأخرة في مجتمعنا كحسّ الفضول أو “اللقافة” ، فالمخلوق السعودي لا يقتصر على حب الإطلاع على كل ما يخصّه وما لا يخصّه ، بل أصبح لديه القدرة على “قنـْـص” الفرص النادرة التي يراها مادةً ثريةً لرواياته المستقبلية عند شلـّة الأصحاب ، ولا يخفى على القارئ الموهبة الفذّة التي يمتاز بها العقل السعودي في النقد والتحليل ، فبمجرد أن يفرغ المواطن الكريم والمواطنة الكريمة من التحقق من الحادثة من جميع زواياها وكل تفاصيلها ، يبدأ في إبراز مواهبه تلك بإضفاء روح الفكاهة أولاً إلى أفظع الحوادث ليصنع منها مادةً كوميديةً ظريفةً مع ما تحتويه من مشاهد موتٍ وخرابٍ ودمارٍ ، ثم يشرع في إكمال ما يراه هو من جوانب ناقصةٍ في أجزاء القصة ، في عملية مونتاجِ ومكساجِ لا تقدر استوديوهات هوليوود على منافستها ! وغالباً تكون هذه العملية ” انتقاليةً لا نهائيةً ” ، فقد يتجاوز عدد رواتها مجموع رواة أحاديث الصحيحين معاً ، وتجدُها في الساحة بعدة رواياتٍ متواترة ، إن شاء علماء الحديث لصنفوها في فئة الضعيف والموضوع ، من كثرة عمليات الجرح والتعديل ، حتى غيروا ما خلق الله ، ولم تعد ملامحها شيئاً مما كانت عليه.
إلا أن ما يثير اهتمام علماء النفس على الصعيد الدولي ، تلك المتعة العجيبة التي يشعر بها الكائن السعودي عندما يفرغ من إنتاج أفلامه وعرضها على الجمهور ، فهو يشعر أنه مَحَطّ اهتمام الجميع وإعجابهم وتقديرهم له ، لكونه عاش هذه التجربة الخطيرة وتجاوزها بشجاعة وحسن تصرف ، وهو لا يعدو كونه “شاهد ما شفش حاجة” أو مجرد راوي ضمن سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن ! وذلك بفضل ما آتاه الله من قوة في “الهياط” وبسطة في “الخرش” وهما مصطلحان علميان نفسيان وُلدَا من بطون الأحياء الشعبية ، اضطّر “علماؤنا” المحليون لابتكارهما لانعدام وجود كلمات ذات قدرةٍ دلاليةٍ على تحمل المعاني العظيمة التي تعبر عن المواهب الوطنية الثمينة. وبفضل هذه النعم الجليلة ، أصبحتَ تجد في استراحاتنا من الأبطال والشجعان والحكماء والعباقرة والمبدعين والفنانين والموهوبين كنوزاً قوميةً مهدورة ً، لم تجد إلا الاستراحات ملجأ لها تحصل فيه على بعض التقدير والاحترام. جدير بالذكر ، أن مصطلح “الاستراحة” هو مصطلح محلي آخر ، يقصد به “مؤسسات المجتمع المدني” فالاستراحة هي البوتقة الإجتماعية التي يصب فيها الناتج القومي من الثقافة والعلوم والفنون.
وكما لعلماء الحديث تفسيرهم لظاهرة المجتمع السعودي ، ولا أستبعد أن نلجأ لهم في المستقبل المنظور حتى نفرق بين الغثّ والسمين ، من مسانيد أخبارنا المحلية ، في “صحيح الاستراحات” إن جاز التعبير ، فإن لعلماء الطب رأيهم الخاص في الظاهرة . فهم يرون أن الكائن السعودي مصابٌ بمرض “بنجامين بتن وحالته الغامضة” أحد إبداعات هوليوود ، والذي يعاني فيه السيد “بتن” من مراحل عمريةٍ معكوسةٍ ، فيولد شيخاً ويموت رضيعاً ، والأساس الذي بنى عليه الأطباء نظريتهم الغريبة ، أن تفسير ظاهرة “اللقافة” التي تدفع المجتمع السعودي عامةً وفئة الشباب خاصةً إلى حشر أُنوفهم في كل حدثٍ غريبٍ أو حتى عادي ، لكن غير معتاد ، كحادث سيرٍ تافهٍ أصابوا بسببه حركة المرور في كافة أنحاء المدينة بالشلل ، أو حريقٍ هائلٍ قد يهدّد حياتهم وبدل أن يقوموا بـ”إخلاءٍ” سريعٍ ، يهرعون إلى “تعبئةٍ” سريعةٍ في موقع الحادث ، كل هذا الفضول والهوس المرضي وما يتبعه من نقلٍ ، أو إن شئنا الدقة “اختلاق” القصص والروايات والمغامرات التي غالباً ما تتضمن الراوي طرفاً أو حتى بطلاً في قصته ، ليس إلا عرضاً يراه الأطباء غالباً ما يصيب كبار السن والمتقاعدين ، الذي يهوون التجمع في دار العجزة وتناقل الأخبار والذكريات ، ويؤيدهم في نظريتهم علماء الاجتماع بفروقٍ طفيفةٍ ، فيقولون أن الشيخوخة في هذه الحالة ، ناتجةٌ عن “تسارعٍ” غير طبيعي في النمو العقلي للشاب السعودي ، فمرحلة الطفولة التي يحظى بها الطفل “العالمي” تستمر إلى ما بعد عشر سنوات ، يتمتع فيها بكامل حقوقه كطفلٍ من حبٍّ وحنانٍ ورعايةٍ ودلال ، بينما المخلوق السعودي تنتهي مرحلة طفولته بـ”فصاله في عامين” ثم بعدها يعامل كبالغٍ راشد يتحمل مصاعب الحياة ، ويعامل بمبدأ “إنت رجال” وهو لم يبلغ الحلم بعد ، وذلك ما جعل السعودي في مرحلة الشباب يتصرف كمصابٍ بشيخوخةٍ مبكرة ٍ، خاصة ًإذا أضفنا عامل “البطالة” إلى خط المعادلة ، لتوازي “التقاعد” عند كبار السن ، نكون بذلك حققنا جميع أوجه النظرية.












رائع أخي حسن… قلمك لا يمل منه
اللهم ارزقنا قول لا أدري ولا أعلم
Like or Dislike:
0
0
الشكر لك دكتور محمد ، فكم أسعدني مرورك وتعليقك
ودعاؤك في محله ، فنحنا جميعاً وأنا أولنا لدينا شيئاً مما ذكر في المقال ، اللهم ارزقنا قول لا أدري ولا أعلم.
Like or Dislike:
0
0
الف عافيه وجهد تشكر عليه ولو ما انت كاتب كان قلت عنك ملقوف وتملح لانك مبدع في المصطلحات (زي اي سعودي)واكثر
بس لو فيه حلول!!
Like or Dislike:
0
0
موضوع جميل
Like or Dislike:
0
0
خخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخ بصراحة صح وانا احاول اقلل من هذي الظاهرة خصوصا لقافة الحوادث والحرائق لانه وقت مايحبون الناس ينشافون بهذا المنظر وفي اشياء مولازم تشوفها طول الوقت ادعيلهم بالسلامة وخلاص مولازم تشوف ياما تاخرت عن اختبارات فالجامعة ومحاضرات كلو بسبب اللقافة الزايدة عند السعوديين في معرفة كلمايدور حولينهم بس برضو لاتحكم عالكل ..موضوع غير متوقع شكراا
Like or Dislike:
0
0